الشيخ محمد رشيد رضا

73

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وبعد السلوك إما أن يصل وإما أن ينقطع ، فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره زمنا طويلا ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة لا يقصد مجرد الاطلاع على حالهم ، والوقوف على أسرارهم ، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج رويدا رويدا ، ثم إنهم جعلوا للشيخ ( المسلك ) سلطة خاصة على مريديه حتى قالوا يجب أن يكون المريد مع الشيخ كالميت بين يدي الغاسل ، لان الشيخ يعرف أمراضه الروحية وعلاجها ، فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر معالجته أو تتعذر فلا بد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة ، حتى لو أمره بمعصية لكان عليه أن يعتقد أنها لخيره ، وأن فعلها نافع له ومتعين عليه ، فكان من قواعدهم التسليم المحض والطاعة العمياء ، وقالوا إن الوصول إلى العرفان المطلق لا يكون إلا بهذا . ثم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم والعناية بزيارتها لأجل تذكر سلوكهم ومجاهدتهم ، وأحوالهم ومشاهدتهم ، لان التذكر من أسباب القدوة والتأسي ، والتأسي هو طريق التربية القويم عندهم وعند غيرهم فظهر من هذا الاجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحا ، وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض لان صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم ، ولكن ماذا كان أثر ذلك في المسلمين ؟ كان منه أن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرا يتبرأ منها كل صوفي ، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيما دينيا مع الاعتقاد بأن لهم سلطة غيبية تعلو الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة اللّه تعالى بها يديرون الكون ويتصرفون فيه كما يشاءون ، وانهم قد تكفلوا بقضاء حاج مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا ، وهذا الاعتقاد ، هو عين اتخاذ الأنداد ، وهو مخالف لكتاب اللّه وسنة رسوله وسيرة السلف من الصحابة وأئمة التابعين والمجتهدين وزادوا على هذا شيئا آخر هو أظهر منه قبحا وهدما للدين وهو زعمهم أن الشريعة شيء والحقيقة شيء آخر ، فإذا اقترف أحدهم ذنبا فأنكر عليه منكر قالوا في المجرم انه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه ، وفي المنكر انه من أهل الشريعة فلا التفات اليه . كأنهم يرون أن اللّه تعالى أنزل للناس دينين ، وانه يحاسبهم